الإمبراطور نقفور

ولد نقفور فوقاس (نيكِفوروس فوكاس باللاتينية) سنة ٩١٢ ميلادية في مدينة قبادوقيا الموجودة حالياً بتركيا من عائلة ارستقراطية ذات تاريخ عسكري حافل. فلقد كان كل من والده باراداس فوقاس وجده من جنرالات الجيش البيزنطي وسار كل من نقفور وأخيه ليو على خطاهما. لكنه كان أكثر من برز في عائلته حيث خلف والده باراداس بعد أن أصيب بجروح بالغة في معركة حصلت عام ٩٥٣ ميلادي

الإمبراطور نقفور الثاني فوقاسأولى انتصارات نقفور

كانت أول إنجازات فوقاس حين قاد عام ٩٦١ ميلادي على رأس جيش قوامه أكثر من ٥٠٠٠٠ جندي وأسطول بحري من مئات السفن حملة عسكرية على جزيرة كريت لإخراج العرب منها بعد أن سيطروا عليها لأكثر من ١٠٠ عام . باستعادته لجزيرة كريت إلى كنف الإمبراطورية الرومانية، أصبح نقفور فوقاس بطلاً شهيراً في القسطنطينية واكتسب ثقة الإمبراطور رومانوس الثاني الذي كلّفه القيام بحملة عسكرية لإخراج العرب من كيليكيا فنجح بذلك وتابع إلى مدينة حلب مقر سيف الدولة الحمداني موقعاً آلاف القتلى. لكن بالرغم مما يروى عنه من بطش وقسوة ومن شجعاته ومهاراته العسكرية، إلّا أنه كان متديناً وزاهداً. تقول الروايات أنه كان يُصلّي يومياً لساعات ويلبس ثوب راهب وينام على الأرض ولم يكن يهتم كثيراً للنساء بعد وفاة زوجته الأولى ستيفانو. لكن حياته اتخذت منحى مختلفاً عندما توفي ولأسباب مجهولة الإمبراطور رومانوس في ريعان شبابه عام ٩٦٣ ميلادي تاركاً وراءه زوجته الإمبراطورة تيوفانو وصية على ولديها باسيل ذي الأعوام الخمسة وقسطنطين ذي الأعوام الثلاثة اللذين أصبح كل منهما ولياً للعرش

نقفور فوقاس يصبح إمبراطوراً

كان جوزيف برينغاس في حينه مديراً للبلاط واستمر بأداء مهماته بعد وفاة رومانوس لكن تيوفانو لم تكن تثق به وكان لديها شكوك بأنه يتآمر عليها وعلى أولادها. ورغم أنها كانت من أصول يونانية فقيرة ومتواضعة إلّا أن تيوفانو كانت امرأة جميلة وساحرة وذات ذكاء حاد يصل إلى حد المكر والدهاء. ولكي تضمن استلام أولادها للعرش، رأت أنها بحاجة لرجل قوي يحميها من مكائد برينغاس ومن كان أفضل من نقفور للقيام بذلك في حينها! فأرسلت إليه طالبة منه العودة إلى القسطنطينية فعاد حاملاً إليها هدية عبارة عن ذخيرة من رفات يوحنا المعمدان. وخلال فترة قصيرة أوقعته تيوفانو في شباكها وأقنعته بأنها ستدعمه ليصبح إمبراطوراً مقابل حماية ولديها كي يستلما العرش في المستقبل. لم يمضِ وقت طويل على عودة نقفور إلى جيشه حتى قام الجنود بإيعاز من ابن أخيه جون تزيميسكس بتسميته إمبراطوراً فزحف إلى القسطنطينية وخلع برينغاس من منصبه ليقوم بعدها البطريرك بوليوكتس بتتويجه إمبراطوراً في كنيسة آيا صوفيا الكبرى ليتزوج من ثيوفانو بعد شهر

حروب نقفور فوقاس ضد البلغار

أثناء غيابه عن الجبهة الشرقية، تابع جون تزيميسكس الانتصارات البيزنطية على الجيوش العربية. وعندما عاد نقفور فوقاس كإمبراطور، استأنف هجماته بهدف تثبيت انتصاراته وتعنقود بيزنطية من عصر نقفورزيز السيطرة على المواقع والأراضي التي كان احتلها سابقاً وخاصة مدينة أضنة الموجودة حالياً في تركيا. لكنه تلقى أول هزيمة له على يد العرب بعد أن أصبح إمبراطوراً حين فشل في إستعادة جزيرة صقلية من يد العرب مما اضطره لتوقيع معاهدة سلام معهم. لكن بعد وفاة آخر أمير حمداني، اطمأن لوضع الجبهة الشرقية واستدار نحو منطقة البلقان. فبموجب المعاهدة الموقعة عام ٩٢٧ ميلادي، كان البلغار يحصلون سنوياً على مبلغ نقدي بالعملة الذهبية من  الإمبراطورية البيزنطية. فاستغل نقفور فوقاس هذا الأمر لإعلان الحرب على البلغار وقام جيشه بغزو واحتلال العديد من الحصون والمدن. ومما ساعده على تحقيق انتصاراته الأولى ضد البلغار هو قيام الروس بمهاجمة بلغاريا من الشمال بحكم المعاهدة الموقعة بين الامبراطورية البيزنطية وروسيا في كييف. في هذه الأثناء قام الإمبراطور الروماني أوتّو بمهاجمة مقاطعات لومبارد في جنوب إيطاليا والتي كانت تحت السيطرة البيزنطية آن ذاك.  ولقد فشلت المفاوضات لحل العلاقات المتأزمة بين الطرفين بعد الإجتماع العاصف بين نقفور فوقاس ومبعوث الإمبراطور أوتّو بعد قيام هذا الأخير بطلب يد الأميرة آنّا بورفيروجينيتا للزواج من الإمبراطور أوتو وهو موضوع حساس في العلاقات بين الطرفين. ورداً على ذلك، قام أوتّو بحصار مدينة باري في إيطاليا التابعة للإمبراطورية البيزنطية آنذاك لتستمر بعدها المناوشات والأعمال العدائية بين الطرفين على مدى سنوات دون نتيجة حاسمة. لكن نقفور فوقاس لم يوقف حملاته الشرقية أثناء كل ذلك بل استمر بها وسيطر على أجزاء واسعة من سوريا أهمها اللاذقية وطرطوس عام ٩٦٨ ميلادي وأنطاكية عام ٩٦٩ ميلادي حتى أنه وصل إلى لبنان الذي كان تحت السيطرة العربية منذ القرن السابع

اغتيال الإمبرطور نقفور فوقاس

تراجعت شعبية نقفور كثيراً بعد استلامه العرش بسبب سياسة التقشف التي اتبعها حيث حدّ من الإنفاق على البلاط ورجال الدين والأديرة وزاد الضرائب إلى مستويات غير مسبوقة.  ومما زاد النقمة الشعبية عليه، الأحداث التي حصلت في عيد الفصح من العام ٩٦٧ ميلادي حين تشاجر الجنود مع بعض البحارة ومقتل مئات المواطنين الأبرياء على يد الجنود أثناء عرض عسكري خرجت خلاله الأمور عن نطاق السيطرة فكانت مجزرة مروعة أثارت سخطاً شعبياً عارماً. وعندما شع
ر فوقاس بأنه قد أصبح غير محبوب من الشعب، أصبح منعزلاً وابتدأ يشك بأقرب الناس منه إلى أن ارتكب خطيئة مميتة حين عزل جون تزيميسكس من منصبه العسكري. أما الامبراطورة تيوفانو فلقد شعرت أن عائلة نقفور وخاصة أخاه ليو يسعون إلى العرش وأنهم للوصول إلى ذلك لا بد لهم من التخلص من ولديها باسيل وقسطنطين وهما ورثة العرش الشرعيين. فاستغلت تيوفانو الخطأ الذي ارتكبه فوقاس بحق تزيميسكس للتآمر معه على نقفور والتخلص منه حيث قامت مجموعة متنكرة بزي النساء بالتسلل إلى القصر واغتياله نهاية عام ٩٦٩ ميلادية

قصيدة نقفور

يعتقد الكثيرون أن الإمبراطور نقفور الثاني فوقاس كان من معاصري الخليفة هارون الرشيد وهو الذي أرسل إليه الرسالة الشهيرة التي أصبحت تعرف بإسم رسالة نقفور والتي رد عليها الخليفة الرشيد بجواب قد يكون الأشهر في التاريخ العربي. لكن فوقاس أتى بعد هارون الرشيد بمئة وخمسين عام تقريباً والذي عاصر هارون الرشيد وكتب إليه كان الإمبراطور نقفور الأول والذي لا تربطه أية صلة قرابة بنقفور فوقاس. أما الذي اشتهر به فوقاس فهو القصيدة الهجومية التي تنسب إليه والتي وجهها للخليفة العباسي المطيع لله والتي أصبحت تعرف بإسم القصيدة الأرمنية الملعونة رغم أنها كانت باللغة العربية. إن سبب تسميتها كذلك يعود إلى ما يقال أن  فوقاس كان من أصول أرمنية. وكما اشتهر رد هارون الرشيد على رسالة نقفور الأول فلقد اشتهر أيضاً رد كل من الإمام القفّال الشاشي والإمام إبن حزم الأندلسي
على قصيدة فوقاس بقصائد مماثلة

نقفور فوقاس وتأسيس دير لافرا في جبل آثوس

كان الإمبراطور فوقاس مقتنعاً أنه يخوض حرباً مقدسة ضد المسلمين ولذلك كان يعتبر أن كل جندي بيزنطي يموت أثناء المعركة هو شهيد. لكن الكنيسة لم تكن موافقة على ذلك لأن القتل بنظر الكنيسة مناقض للتعاليم المسيحية وبذلك لا يمكن اعتبار أي شخص قتل إنساناً آخر شهيداً حين وفاته حتى إذا كان من قتله عدواً للإمبراطورية البيزنطية. وأثناء إحدى معاركه، استدعى نقفور صديقه الراهب أثاناسيوس للإستئناس برأيه وتبرع له بمبلغ مالي استخدمه أثاناسيوس لتأسيس دير لافرا في جبل آثوس والذي كان أول دير هناك تبعه تأسيس العديد من الأديرة هناك التي أصبحت مقراً للرهبان والنساك وما زال معظمها قائماً حتى يومنا هذا

العقيدة العسكرية للإمبراطور نقفور الثاني فوقاس

قبل نقفور فوقاس، كانت عقيدة الجيش البيزنطي دفاعية تهدف للدفاع عن أراضي الإمبراطورية. لكن الإمبراطور فوقاس قام بتحويل العقيدة العسكرية إلى هجومية بامتياز. فلقد قام بتنفيذ برنامج إصلاح شامل للجيش طاول مختلف النواحي على كافة الأصعدة. فلقد ابتكر فرق عسكرية جديدة باختصاصات جديدة وأعاد تشكيل الجيش بالكامل وبث روحاً معنوية عالية في جنوده. قام قام بتحديث الترسانة العسكرية ليصبح الجيش مزوداً بأحدث الأسلحة في ذلك الزمن. لكن أكثر ما برع به فوقاس
كانت الخطط والتكتيكات  والاستراتيجيات الحربية الجديدة التي ابتكرها والتي مكّنت الجيش البيزنطي من الإنتصار في الكثير من المعارك التي كان فيها جنود العدو يفوقون عدد الجنود البيزنطيين بأضعاف. لذلك يوصف نقفور بأنه من أكثر القادة عبقرية وإبداعاً في تاريخ الإمبراطورية البيزنطية

References

هارون الرشيد: تأليف الدكتور أحمد أمين بك، دار الهلال بمصر

المعرفة: نقففور الثاني 

هارون الرشيد ولعبة الأمم: أندريه كلو، ترجمة الدكتور صادق عبد المطلب الموسوي، مراجعة عبد عون الروضان

نقفور فوقاس والنهضة العسكرية للإمبراطورية البيزنطية في القرن العاشر: جيمس ميشال غيلمار، ٢٠١٢

هارون الرشيد أمير الخلفاء وأجل ملوك الدنيا: شوقي أبو خليل، دار الفكر

أبعاد قيادية: نقفور إمبراطور الروم

هارون الرشيد حقائق عن عهده وخلافته: الدكتور عبد الجبار الجومرد، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر

من المؤمنين رجال: هارون الرشيد الخليفة المظلوم تأليف محمد الزين الشيخ أحمد القطان

أعلام المسلمين: هارون الرشيد الخليفة العام والفارس المجاهد، تأليف الدكتور رجب البيومي ، دار القلم دمشق

 قصيدة إمبراطور الروم نقفور فوقاس وقصيدتا الإمامين القفال الشاشي وابن حزم الأندلسي في الرد عليه. قدم لها وحققها الدكتور صلاح الدين المنجد، دار الكتاب الجديد، بيروت لبنان