نقفور فوقاس وسيف الدولة الحمداني

بين نقفور فوقاس وسيف الدولة الحمداني علاقة معظمها غزو وحروب تخللها بعض المهادنة وتبادل الأسرى تماماً كما كانت معظم العلاقات الإسلامية البيزنطية فينقفور فوقاس وسيف الدولة ذلك الزمن. فبعد أن أكمل سيف الدولة الحمداني بناء حصن الحدث عام 343 هجري الموافق عام 954 ميلادي حاول البيزنطيون عدة مرات إعادة هدمه. لكن سيف الدولة منعهم من القيام بذلك وألحق بهم هزائم فادحة. وكان ذلك أحد الأسباب التي دفعت بالروم عام 344 هجري الموافق 955 ميلادي إلى تغيير القائد الأعلى للجيش البيزنطي  في الشرق، فتم تعيين نقفور فوقاس خلفاً لوالده الذي كان قد كبر في السن لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من العلاقات والحروب بين المسلمين والروم الذين عززوا  قيادتهم العسكرية بدم جديد وقادة كبار مثل يوحنا بن الشمشقيق وليو فوقاس. ولقد كانت المعارك بين الإمبراطور نقفور فوقاس وسيف الدولة الحمداني هي ما طبع هذه المرحلة حيث استأنف الروم هجماتهم على كيليكيا ونجحوا بإلحاق الهزيمة بأبي العشائر الحسين بن حمدان حاكم دلوك الذي وقع في أسرهم. فقرر سيف الدولة الحمداني الإنتقام لأسر قريبه فقام بغزو الأراضي البيزنطية عام 345 هجري الموافق 956 ميلادي فاحتلّ خرشنه وصارخه ودمّرهما وأسر الكثيرين متابعاّ زحفه إلى حصن زياد الذي حاصره . لكن أنباء وصلته أن الروم بقيادة نقفور فوقاس قد توجهوا لمهاجمة الشام مما اضطره لرفع الحصار والعودة إلى الديار

ولقد استطاع الروم ابتداء من عام 346 هجري الموافق عام 957 ميلادي من استعادة سيطرتهم على المناطق التي كانوا قد خسروها فتمكنوا من الاستيلاء على حصن الحدث دون قتال وقام القائد نقفور فوقاس بهدم الحصن وطرد حاميته الى حلب. ولقد استغل الروم انتصارهم هذا فتابعوا هجماتهم بقيادة يوحنا ابن الشمشقيق فاحتلوا آمد وأرزن وميافارقين وبعدها قاموا بتطويق حصن اليماني. وبالرغم من أن سيف الدولة الحمداني دعم الحامية بجيش قوامه عشرة آلاف جندي لكن الروم انتصروا عليهم واستطاعوا  بعدها السيطرة على سميساط وتابعوا زحفهم إلى سوريا فتصدى لهم سيف الدولة على رأس جيش فوقعت معركة طاحنة في رعبان على طريق حلب عام 347 هجري الموافق 958 ميلادي

الحروب بين نقفور فوقاس وسيف الدولة الحمداني

عندما تولى رومانوس الثاني عرش بيزنطيا قام بنقل نقفور فوقاس من الشرق وكلّفه نظراً للإنتصارات التي حققها بمهمة استرجاع جزيرة كريت الإستراتيجية من أيدي المسلمين وعيّن مكانه أخاه ليو فوقاس قائداً أعلى للجيش البيزنطي في الشرق لمواجهة الحمدانيين يساعده يوحنا ابن الشمشقيق الذي قام عام 348 هجري الموافق 959 ميلادي بمهاجمة وحصار آمد وميافارقين والرها ونصيبين وحران وفي المقابل قام ليو فوقاس بغزو طرسوس وتوجّه الى ديار بكر ونجح بأسر نائب سيف الدولة في حلب محمد بن ناصر. وتحضيراً للهجوم على كريت قام الروم بسحب معظم قواتهم من حلب إلى كريت عام 349 هجري الموافق 960 ميلادي فوجد سيف الدولة الحمداني في ذلك فرصة مؤاتية لإلحاق هزيمة كبرى بالروم فقام بحملته الشهيرة  داخل الأراضي البيزنطية التي انتهت بما لم يكن يتمناه سيف الدولة حيث ألحق الروم به وبجيشه هزيمة نكراء كان لها بالغ الأثر على مقدراته العسكرية نظراً لأن خسائره كانت فادحة لا يسهل تعويضها. ولكن بما أن سيف الدولة الحمداني لم يكن من النوع الذي يستسلم للهزيمة، قام بالرد في العام التالي بإرسال غلامه نجا على رأس جيش قوي لمهاجمة الأراضي البيزنطية فتمكّن من هزيمة الروم عند هنزيط ثم تابع زحفه الى قلقيلا وفاز بغنائم كثيرة لكنّه لم يتمكن من استرداد أي حصن من البيزنطيين

ولما كان الروم قد جعلوا من مدينة قيصرية في قبادوقيا قاعدة عسكرية للإنطلاق نحو مناطق أخرى، فلقد كانت تضم القوات الآتية من القسطنطينية لتنضم إلى القوات الآتية من آسياالصغرى. لذلك قام نقفور فوقاس أوّل انطلاقته بالسيطرة على مدينة عين زربى لأنها تقع استراتيجياً على أقصر طريق بين قيصرية ومدينة حلب فمنح أهلها الأمان لكن هناك روايات تقول أن نقفور لم يلتزم بوعده فانتقم من السكان وقتل الكثيرين منهم ثم قطع عشرات آلاف أشجار النخيل فيها وطرد من تبقى من الأهالي واستولى على الأسلحة والتجهيزات وهدم أسوار المدينة وبيوتها. ويروي بعض المؤرخون أن نقفور فوقاس استمر بنشر الدمار أكثر من 20 يوماً سيطر أثناءها على أكثر من 50 حصناً بعضها بالأمان وبعضها بالسيف قبل أن يعود إلى قيصرية بمناسبة الصيام لدى المسيحيين وعيد الفصح. أما من بقي من جيش الروم فلقد واصلوا هجماتهم على الحصون لكن سيف الدولة الحمداني استطاع إعادة بناء حصن زربى مما اضطر نقفور فوقاس للرد من خلال تجميع جيش جرّار لإسقاط حلب والقضاء على إمارة  بني حمدان فأنزل بسيف الدولة الحمداني خسائر فادحة مستغلاً ضعف الجيش الحمداني وتكاثر الطامعين بالحكم وكانوا من أقرب المقربين لتنتقل العلاقة بين نقفور فوقاس وسيف الدولة إلى مزيد من التأزّم. لكن سيف الدولة لم يكن ليستسلم بعد هذه الهزيمة فالعلاقة بين نقفور فوقاس وسيف الدولة الحمداني كانت أكثر من علاقة كرّ وفرّ بل كانت علاقة تحدٍّ دائم. فأعاد سيف الدولة تنظيم قواته وعاد للقيام بغارات على الأراضي البيزنطية من خلال ثلاثة طرق تمركز شخصياً على رأس جيش على إحداها مترصداً لهجوم مضاد من قبل الروم لكنه كان مريضاً ولم يرجع إلى حلب في حينها

أما يوحنا ابن الشمشقيق فلقد تمكّن في هذه الأثناء من إخضاع كيليكيا وبعد أن ألحق بالطرسوسيين خسارة ماحقة أجهز الروم على من تبقى منهم على تل بالقرب من أذنة. ونظراً لغزارة  الدم الذي سفك هناك، أطلق على المكان بعد هذه الموقعة إسم ” تل الدم”. بعدها توجه القائد يوحنا ابن الشمشقيق الى المصيصة عام 353 هجري الموافق 964 ميلادي لكنه لم يتمكن من السيطرة عليها نظراً لنقص المؤن لديه وإصابة جنوده بوباء فتّاك. وكادت تلك أن تكون فرصة ذهبية لسيف الدولة الحمداني للإنقضاض على الروم وكان قد بدأ التجهيز لذلك لكن مرضه الذي اشتد عليه منعه من تحقيق ذلك

ترقبوا تتمة هذا الموضوع عن قريب