نقفور و يوحنا تزيمسكس و ثيوفانو بينهما

بين نقفور و يوحنا تزيمسكس علاقة قربى انتهت بعداوة قاتلة. ولد تزيمسكس عام 924 ميلادي في واحد من أكبر البيوت الأرستقراطية في الإمبراطورية البيزنطية.يوحنا تزيمسكس فهو ينتمي من جهة أبيه إلى أسرة كوركواز ومن جهة أمه إلى أسرة فوقاس التي ينتمي إليها خاله الإمبراطور نقفور. أما مكان ولادته فكان في بلدة هيرابوليس في إقليم خوزان في أرمينيا. ونسبت هذه البلدة فيما بعد إلى إسم الإمبراطور وأصبحت تعرف بالأرمنية بإسم تشميشكتك أي مسقط رأس تزيمسكس. ولذلك عرف في معظم المصادر العربية بإسم يوحنا إبن الشمشقيق

صعود تزيمسكس

نشأ تزيمسكس فارساً ومنذ حداثته احترف الجندية مثل غيره من أبناء العائلات الإقطاعية الكبيرة في الإمبراطورية. لمع نجمه أثناء اشتراكه في قيادة الحملات العسكرية الكبرى التي وجهتها الإمبراطورية ضد قيليقية والبلاد الشامية في السنوات الأخيرة من حكم الإمبراطور قسطنطين السابع. تلك السنوات التي وقعت أثناءها المحاولات المستميتة التي قام بها سيف الدولة الحمداني لمواجهة خطر الروم. وقد أنعم الإمبراطور على تزيمسكس بلقب بطريق. كما عيّنه ستراتيجوس على ولاية الجزيرة التي ضم إليها إقليم هنزيط المجاور

نقفور و يوحنا تزيمسكس : قرابة وصداقة

هيأت حروب تزيمسكس في الجهة الشرقية الفرصة له للإتصال بقريبه نقفور فوقاس. وجمعت بينهما الزمالة في قيادة الجيوش البيزنطية، وسرعان ما توطدت أواص
ر الصداقة بينهما. والمعروف أن تزيمسكس كان هو الذي ألح على نقفور كي يتولى عرش الإمبراطورية بعد وفاة رومانوس الثاني سنة 963 ميلادي. وبعد أن اعتلى نقفور نقفور عرش بيزنطية، سلّم لتزيمسكس المنصب الذي كان يشغله ألا وهو “دمستق القوات الإسكلارية في الأناضول”. كما منحه لقب ماجستر وكان من أعلى الألقاب تمنح للأعيان في بيزنطية. وقد ترتب على ذلك أنه صار عليه أن يتحمل مسؤولية قيادة الجيوش البيزنطية في الجبهة الشرقية. وأحرز تزيمسكس أثناء ذلك عدة انتصارات باهرة أعلت من شأنه وزادت في محبته بين الجنود وشهرته بين الشعب. وقد استمر تزيمسكس في خدمة نقفور وهو يتمتع بمكانة رفيعة في الإمبراطورية حتى سنة 969 ميلادي

الصداقة تنقلب لعداوة

لقد تنكر الإمبراطور نقفور لقريبه وزميله السابق في السلاح وقائد جيوشه في الشرق سنة 969 ميلادي، ولم يعد نقفور يؤثر تزيمسكس باهتمامه وتقديره. ويرى بعض المؤرخين أن الإنتصارات العسكرية التي أحرزها تزيمسكس وشهرته التي كادت أن تضارع شهرة الإمبراطور، تسببت في تغيير قلب نقفور بالنسبة له لما دب في نفسه من غيرة. ومن الواضح كذلك أن ليو فوقاس، أخا الإمبراطور الذي كان يحمل لقب قربلاط ويشغل مكانة رفيعة في حكومة نقفور، أضمر كراهية شديدة لتزيمسكس ودأب على النيل منه، وبذل كل جهد لإفساد العلاقة بين نقفور و يوحنا تزيمسكس. وفي نفس العام المذكور، جرّد  نقفور قائده تزيمسكس من رتبه العسكرية وطرده من البلاط الإمبراطوري وأصدر أمره بأن يعيش منفياً في خلقدونه في ممتلكاته في آسيا الصغرى محدداً إقامته في هذا المكان. وبدلاً من مركزه المرموق، عيّن نقفور قائده في مركز مدني أشبه بمدير للبريد. وبطبيعة الحال أدى ذلك إلى استياء تزيمسكس وغضبه على الإمبراطور واعتبره ناكراً للجميل. وأخذ تزيمسكس يفكّر في الإنتقام لنفسه. وتقابلت رغبته في هذا الإنتقام مع رغبة الإمبراطورة ثيوفانو التي أر
ادت التخلص من زوجها

نقفور و ثيوفانو : زواج مصلحة

كانت ثيوفانو امرأة خطيرة، وهي أصلاً من طبقة العامة. وكانت تتمتع بقسط وافر من الجمال إلا أنها كانت ذات طموح ودهاء، كما عرف عنها الإنحلال الخلقي. واستلفت جمالها نظر الإمبراطور رومانوس الثاني الذي عرف عنه ضعف الشخصية، واتخذ منها زوجة له وقد وقع تحت تأثيرها بشكل كامل. وبعد وفاة رومانوس، اختارها نقفور زوجة له الأمر الذي أدهش معاصريه، نظراً لما عرف عنه من التقوى والزهد، وما كانوا يعرفونه عنها من السمعة السيئة. لذلك كان من الطبيعي أن لا يوفق هذا الزواج. فإن ثيوفانو مع ما عرف عنها من فجور ونزعة حسية قوية لم تجد ما يشبع رغبتها في شخص الإمبراطور نقفور بما كان يعرف عنه من خشونة خلق وطبع وميل للتقشف وكثرة التغيّب للإشتراك في حملاته العسكرية. وإن رفض الإمبراطور للنوم في الفراش الإمبراطوري وتفضيله على ذلك افتراش جلد نمر على أرض الحجرة الملحقة بمخدعه، لا بد وأن كان مصدر استياء لهذه المرأة

تقاطع مصالح تزيمسكس وثيوفانو

بعد ما ذكرناه أعلاه، كان من الطبيعي أن تبحث ثيوفانو عن عشيق يحقق لها نزواتها، وقد وجدته في شخص تزيمسكس الذي كان يختلف عن  نقفور شكلاً وطابعاً. فإن تزيمسكس بالرغم من قصر قامته الملحوظ، كان يتمتع بوسامة وشخصية جذابة وحيوية متدفقة، كما كان أعزباً منذ ماتت زوجته الأولى. ولا بد أن حب ثيوفانو لتزيمسكس وتعلقها به جعلها ترغب في تدبير مؤامرة معه للتخلص من زوجها.  وفقاً للمصادر العربية، كان لدى ثيوفانو دافعاً آخر للقيام بمؤامرتها ألا وهو خوفها على مصير ولديها من زوجها الأول وهما باسيل الثاني وقسطنطين الثامن. فإن هذين الأميرين كان ينظر إليهما على أنهما الإمبراطوران صاحبا الحق الشرعي لحكم البلاد. وكان نقفور عندما اعتلى العرش مستعيناً بجيشه وأنصاره، اضطر لأن يعلن نفسه كمجرّد قيّم وحام لهذين الإمبراطورين. ولكن نقفور اتخذ من الترتيبات ما لم تطمئن إليه الإمبراطورة على ولديها

وهكذا فقد جمع بين تزيمسكس والإمبراطورة ثيوفانو الحب، كما جمعت بينهما كراهيتهما لنقفور والرغبة في التخلص منه لتحقيق مصالحهما

نقفور و يوحنا تزيمسكس : النهاية

تدل المصادر البيزنطية والعربية على أن ثيوفانو هي التي اتخذت عنصر المبادأة في رسم وتنفيذ المؤامرة التي انتهت باغتيال نقفور واعتلاء تزيمسكس العرش. فقد اعتمدت هذه المرأة على جمالها ودلالها لتؤثر على نقفور وتجعله يرضى مرة أخرى عن تزيمسكس. وأخذت ثيوفانو تشير إلى رابطة الدم بينهما وصداقتهما وزمالتهما السابقة. وقد استجاب نقفور لطلب زوجته وأصدر أمر باستدعاء تزيمسكس إلى القسطنطينية حيث قاما معاً بالتخطيط للمؤامرة التي لم تنهي فقط علاقة دمّ وزمالة سلاح بين نقفور و يوحنا تزيمسكس بل أنهت حياة نقفور فوقاس بطريقة مأساوية

References

مقدمات العدوان الصليبي على الشرق العربي ، الدكتور عمر كمال توفيق ، ص 16 – 43 الطبعة الثانية 1967 دار المعارف